لأجلي أنا
سلام لم أكن أدرك أنني سوف ألقيه من جديد ....
لا أدري هل سوف أبعث لك بهذه الرسالة أم ستتبوأ مقعدها بجوار الرسائل الأخرى التي لن تقرأها
لكن حسنا ففي التفلت من ثقل الأفكار راحة للنفس التي تركتها كلماتك بلا سكون
أنا من نوع البشر ذوي النفوس اللوامة
أميل إلى لوم نفسي أكثر من الرضا عن أفعالها
ولا أجد حرجا ولا عيبا في أن أصارح نفسي بعيوبي التي تكشفها لي الأيام تباعا
فالحياة بالنسبة لأمثالي سلسلة غير منتهية من التغيير، ثم إمعان النظر ثم التغيير وهكذا
أؤمن أن تلك هي من أفضل صفاتي التي حباني الله
لا أدعي الكمال وأعتقد أن من يفعل هذا ينطوي فعله على ضعف يحاول تغطئته بغطاء بالي، يكشف أكثر مما يستر
ومن هنا أنطلق بشجاعة واثقة في رحاب الدنيا بثبات مقاتل، يقف على قدم الإقدام مدركا لكنهه البشري الضعيف الخطاء
لا أجزع من خطأي
آسفة له لكن لا أتبرأ منه، لأنه ختم التعلم
فلا يتعلم من لا يخطئ
ولا يعش من لا يتعلم
وهكذا ينطلق قلبي الغض في رحاب أرض الله ملتمسا رحمته، ومستعيذا به من شر نفسه، وأن يجر لأحد سوء دون قصد
ولسان حاله يدعو أن يهديه ربه لأقرب من هذا رشدا
وقد ذهلت في البداية حين وصفتني بما وصفت، وأشهرت
سيف ملك لا يدرك ما دون رأيه ولا يبتغي رؤيا ما دون نظره
....ومن ثم أيقنت كم أصبحت غريبا عني نائيا بعيدا
ليس في عالم المادة فقط، بل معنويا أيضا
قبلا ...قبل أن تتركني، كنت أظن موهومة أنك تفهمني ! وأن جسرا قد انبسط بين عقلي وعقلك بين قلبي وقلبك،
وأن ما أن تحين اللحظة حتى تأتي لي بجسدك ووجودك الحقيقي
فتكمل ما ابتدأ في عالم الروح
كم كنت موهومة!
فإذا بك تنأى وتنأى بعيدا
ولا تحاول حتى أن تطرق لي بابا بجسدك
لطالما شعرت بك تطرقه بروحك
ولكن ما حيلة الشعور في عالم المادة ؟
لا يرقى لشئ سوى لمرتبة الوهم والظن الموجب للاستعاذة منه.
لكنني أسررتها في نفسي، وغالبني قلبي فغلب، والله غالب على أمره وبقيت هناك في الماضي أنتظر شذرة وصل في عالم المادة، فإذا تعسر الحال وتكالبت الأفكار وتسائل العقل حائرا لما التأخر، يستلم القلب زمام الأمور وتضيع أصوات العقل هباءا
وظللت أقتحم أسوار كلماتك الغامضة القابلة للتأويل، وأتخذ منها سلوى لقلبي الذي يتعرف هذا الشعور للمرة الأولى، وكان هذا كله رغم أنف عقلي الذي كان يقول أنك شابا يلقى سنارته ليرى في أي اتجاه تشده، فاحتمي بركن حصين أيتها الفتاة، حتى لا تنفرط عرى قلبك
ولكن القلب لم يستمع لتحذيرات العقل وظل يبحر في بحر الآمال والأحلام
فإذا ما استفاق على بين ونأي لا يُرى له أجل، تنحى فسلم الزمام لعقلي المضاء، الذي يحكم بما يتوفر لديه من أسباب في عالم المادة ولا شأن له بعالم الشعور والكلام الغامض القابل للتأويل
فكان حالي بين شتيتين
عقل يجهل حقيقة ما يشعر به وينكره بتكبر جهول بدافع حماية نفسه من مجهول لا يمنيه بشئ حقيقي في عالم المادة مع اعترافه بقدره وأن هناك الكثير لنتعلمه ونعايشه في أرض الله تلك ، فيرتد منزعجا ويثور في صمت يُحجَب بصوت دقات القلب
أما قلبي فكان طائرا قي رحاب الله يرضى بقليل كلامك الغامض القابل للتأويل ، فيلتمس منه ما يرضى به ، ويتغافل عن السؤال الأكبر
وقد أطلت فشرحت كل هذا، رغم عدم أحقيتك بمعرفته
لا استجداءا لعطفك ولا ابتغاء تبكيتك أو لومك، فالله أعلم بالنوايا، وأنا أدرك أن كل ما سبق مسئوليتي الكاملة أحملها وحدي ولا أتنصل منها فأقذف بها أحدا بهتانا وزورا
وإنما شرحت هذا كله، لأنني عز علي أن أصمت حين أُذم بما ليس في، وإن كان الصمت والاحتساب أحق في حالتي، لكن ثقل الأفكار قتَّال، وفي كل مرة نبوح بما لا يقال، تتفلت من نفوسنا المشاعر، وتتحرر في فضاء بعيد
فنعود أحرارا بعد طول أمد
وهذا غاية المنى
وأيضا أقبلت على الشرح لأنني أدركت أنه لم تسنح لي الفرصة للتعبير عن قدرك عندي، وكنت أُعوِّل عليك أن تأتيني يوما فأفضي إليك بما قد انعقد في قلبي، دون خضوع في القول يغضب الله، ودون أن أتحسس كلامي حتى لا أفضح مستورا ولا أفشي ما ضمر
لكن جعلتني أدرك بالطريقة الصعبة أن هذه اللحظة لن تأتي سوى بخيالي الواهم
أما أنت، فلا أتكال على خطاك
لذا فلتكن تلك الكلمات ذكرى لما أكنه تجاهك، لا أدري أسوف تكون هذه الكلمات في درج النسيان في عقلي بعد مرور السنين، أم ستبقى هكذا شبحا يطاردني في كل مكان، لكنني كما قلت أومن أن في البوح التخفف ولا يقوى قلبي على الكتمان بعد الآن
في البداية كنت انظر إليك بعين الفضول التي تستكشف أرضا لله لم تألفها من قبل
قدرتك على الإحساس بالأشياء وإدراكها على نحو ما، ثم التعبير عنها بفصاحة بسيطة عبقرية، لم أعهدها في أقرانك
فاستغرقت على هذه الحال حتى شعرت أن هذا من نوافذ الجمال التي تفتح لي في هذا الكون
تماما كما الموسيقى والشعر والرسم
فأصبحت نفرا ممن ينظرون إليك بعيون التبجيل والاحترام، واتذكر انني قد أفضيت إليك مشجعة حينها، وقلت أنك قد ربحت مشجع مخلص
لأنني أدركت حينها تفردك الآخَّاذ ، وقد كنت أعنيها بكل ما تحمل الكلمة من معنى
فلم يكن في نفسي، في ذلك الحين سوى معاني كثيرة تنطوي على الاحترام والتبجيل والرغبة في الاقتباس من نور جديد أدرك أشعته لأول مرة في حياتي
وتعاقبت الأيام
وبدأت تقتحم أسوار قلبي الذي طالما قد غلّق الأبواب
فإذا عقلي يرتد منكرا، ويصرخ في القلب أن توقف عن الأحلام والعيش في قصور الخيال
فكانت الأيام سجالا بينهما
ساعة يغلب العقل ويستنفر
وساعات أخرى تتلاشى صيحاته في ظلال القلب المتردي في الأوهام
وكان حالي على هذين الشتيتين
أصارع عقلي وأُمنيه
وقلبي لا سلطان لي عليه، يطير في أرض لم أئنسها من قبل
أشرح هذا كله، لأفضي لهذه النقطة
أنني لم أرك يوما قليلا، على النقيض تماما، لا أتذكر أنني مدحت رجلا من جيلي قط كما مدحتك، وأنه رغم ما قد مررت به على يديك من سقم لا يداوى، فلا أعتقد فيك سوى رجل متفرد حساس جدير بالاحترام والتقدير، لم أدرك فرط حساسيتك إلا بعد فوات الأوان، وأنا شخصية تطغى عليها العقلانية في أوقات كثيرة خاصة في حالات الحروب بين العقل والقلب، فلا يفيض حنان الأنوثة داخلي إلا عند الشعور بالأمان، ولطالما كانت العقلانية الجافة سيفا مسلولا قد يصيب من دقيق المشاعر ما لا يدرك لاسيما مع شخص حساس
فكان ما قد ظننته انتقاصا من القدر، شظايا من الحرب الهائجة بين عقلي وقلبي والتي كانت أفعالك سببها الأول والأخير ، فكانت أوصافا لأفعالك وليست انتقاصا من قدرك.
فكانت الفجوة
كلانا مختلف، كنا ننتظر أن يقبل الآخر عليه بنفس طريقته، فإذا لم يفعل اشتعل العقل شكا ، وبدأ ينهر القلب، فإذا بالحزن يخيم على القلب، فيعبر كل منا بطريقته المتفردة التي يظن أن الآخر سيفهمها كما هي بداخله،
وهكذا كان لكل منا نسخته الخاصة من المعاناة، ونظرته الخاصة لما قد انصرم من الأفكار والمشاعر والأحداث
حل هذا كان يكمن بكلمة بسيطة
شد حبال الوصل على أرض الواقع، والتخلص من الشاشات التي تبتر من الحديث والمشاعر بقدر ما توصل
فإما أن تهتدي سبلنا سويا في الحياة كرفيقين، أو حتى كصديقين على أقل تقدير
فلا يُبتر الكلام على الشفاه كما حدث، ولا تبقى القلوب محتقنة بما تعج بها من أفكار وآلالام
جلسة واحدة هادئة كانت كفيلة بتحقيق هذا
لكن هيهات لعقلين متكابرين، وقلبين أسيرين
فلا في سيادة العقل راحة
ولا في سيادة القلب مأمن
ولا سبيل لتوازنهما سوى بوصل حقيقي باعدت أنت بيننا وبينه
أوقن أنني لا أعرفك، فقط أعرف منك قدر ما تريدني أن أعرف، أما البقية فقد نسجتها في خيالي، فتخيلتك بقدر ما أردتك من المروءة والشهامة والأخلاق، ولم يتسنى لي الفرصة لأنظر إلى ملامحك في حديث واستشف من عينيك ما تشعر به واستشعر وجودك الحقيقي بحواسي، فأرى بأم عيني قدر تطابق شخصك مع الشخص الذي نسجته في خيالي، وها أنا أستيقظ رويدا رويدا على الحقيقة
أنت متزوج الآن تخطط لحياتك الجديدة مع رفيقتك الجميلة، وأتمنى أن تأسسا أسرة مسلمة تكون أسوة لغيركما، وأدعو الله بصدق أن يوفقكما ويرزقكما ويفتح عليكما
لكنني لا أدري لما تصر أن تنبش الماضي وتعقد محكمة أنت فيها القاضي والمحامي؟ ألا يكفيك ما فعلته بقلبي؟ فأتيت تتحسس كيف تطعنه في أماكن تؤلم؟ بعد أن دسته بلا هوادة ؟
ألا ترى أنه من الخطل أن تحكم على الشئ من زاويتك دون محاولة سماع الطرف الآخر
ألا ترى أننا على قدر من الاختلاف لا يستوي فيه الحكم من زاويتك أنت وحدك ؟
أم أنك ترى في شيطنة الآخر ملاذا ومهربا من تأنيب ضميرك ؟
على قدر كرهي أن أضع نفسي عنوة في مقعد المدافع الذي يبرر ويشرح لمن قد أدار ظهره له قبلا، وخسر أحقية التبرير والتوضيح
لكنني ألتمس في التكلم أنسا من وحشة النفس اللوامة، التي سوف تحفظ عنك ما تكتب وتعيده على مسامعي وقت ضعفي
أن تصفني بما قد وصفت، شئ عظيم عز علي أن أصمت عليه، وأتمنى من الله أن يخفف عني وطئة هذه الأيام، حتى أستيقظ ذات يوم فلا أعير لكلماتك بالا، وتُطوى في قلبي وكأنها لم تقال.
وأن أبرأ من هذا السرطان الذي ينبش في فكري
لأن الاحتكام لقاضي ظالم هو ظلم بين للنفس
أما عن قدرك الذي لم تعطني الفرصة للتعبير عنه بحرية وانفتاح، فلا تلومنني فيه، وقم بلوم من قد نقض العهود وطواها بين ليلة وضحاها
وأصبح بقلب جديد وبعهود وأحلام جديدة
لا تلام على تلك الأحلام ولا على ذاك القلب في ذاتهما، فالله يقلب القلوب، ولا يَثبُتُ لآدمي شعور بتعاقب الأحوال والأحداث
وإنما غاية القصد أن لا تعقدن محكمة لا يحتكم فيها لأحد سواك
بعد أن وليت مدبرا، دون حتى أن تحاول
أدرك أننا مختلفان، لكنني أؤمن بقدرتي على التعلم، وكنت ألتمس في هذا الاختلاف مدرسة أتعلم فيها ما قد خفي علي من الخبايا ، وأصلح فيها ما قد ينكشف لي من عيوب، فكما قلت تلك هي الحياة بالنسبة لي
لكن يبدو أن المدرسة قد أوصدت أبوابها في وجهي
فلا أملك بحالي هذا سوى التمسك بقليل الثقة الباقية بالخير في قلبي، وأن التمس بها نورا جديدا من أنوار الله في هذا الكون.
Comments
Post a Comment